قادر هو حتماً
ذاك الذي يبدد كل سعاداتنا
ويحيل بهجاتنا إلى رماد
قادر هو
ذاك الذي يتهادى ثملاً
كثور أنهكه الجماع
مزهواً بقرنه الحاد الكبير
وأسنانه المنشارية
وعقله الذي تسخر منه أصغر نملة
يطلع علينا هذا البلوة يومياً من ثقب في الجدار
من حفرة في الأرض
من غيمة سوادء
من على شاشة التلفزيون
قبل نشرة الأخبار
بعد نشرة الأخبار
وفي نشرة الأخبار
بضحكته الصفراء
وصوته النحاسي الصديء
يحيط به قطيع شرس من بشر مستكلبين
متباهياً ببزته العسكرية الزيتونية
وأوسمته ونياشينه التي تؤشر
تاريخاً من الدم ... دمنا نحن وأحبتنا
هو الفار من الخدمة العسكرية
يطبل له صبح مساء جوق عسكري
ويبوق له شعراء شعبيون
ومرتزقوا كتابة وألوان
مخبرون وكتبة تقارير مهندمون بجلود ضباع
فنعلم
أن أحلامنا شظايا زجاج
وأن ملاذنا ذاك الذي يلم
صلواتنا
ودعاءات أمهاتنا
وكركرات أطفالنا
وأسماء حبيباتنا
ليس بأكثر من ملجأ مؤقت ومعبد للأحزان
قبواً نجمع فيه الألم
آسفين على نهرين ونخلة
ينال هجين من عفتها
رافعاً شعارات من ورق
لحدود من أسفنج
وملوحاً في الهواء ببطولات من عجاج!!
***
نعم ... قادر هو
ذاك الذي قلبه من رماد
وعقله من سخام
ذاك الذي يستضيفنا زبانيته
حين يشاء
في فنادق دون نجوم
بأقبية من صديد
تطفح بدم الأحبة والأصدقاء
حثالات جعلت من أجسادنا
ملاعب وخرائط وأراشيف تؤرخ ساديتهم
أقبية ما نسيناها قط
حتى في لحظات فرحنا العابر
أقبية تركت فيها شخصياً سن وبضع أظافر
وروائح حرق
وبول
وخطوط متعرجة من دم يابس كقطار
يتلاشى في الممشى
أو في الذاكرة الحبلى بالمرارة
أقبية بجدران لا لون لها
تملأها خربشات وطلاسم
وعلامات إيمان ورجاء ومحبة!!!
***
قادر ذلك الكركدن
السمين الكريه
الذي يأكل أبناءه
كل صباح
وكل ظهيرة
وكل مساء
أن يغتال فرحنا
حين يشاء
وشرقاً وغرباً
يشرد الأهل والأصدقاء
أن يخطفنا كبازوزو من أحبتنا
برمشة عين
وقت الحضور
ووقت الغياب
أن يبذر خيرات الوطن
على كل من هب ودب
أجلاف
وأحلاف
وأسراب من ذباب
...
...
ليس ما أخشاه يا وطني
أن يذوي الصحاب أو أن يطول الغياب
جل ما أخشاه يا وطني
أن أعود إليك
فأراك قد شددت الرحال
إلى المستحيل
حيث لا نحن
أحبتك
ولا ذلك الكركدن المقيت
تاركاً كل شيء وراءك
بغداد ودجلة
الأحبة والصحاب
وداعة الصبيات الحالمات
عيون البابليات الآسرات
غابات النخيل الساحرات
لكي فقط في المحال تنام
هادئاً
حيث لا شيء
لا صوت
لا ضوء