بيان    

فنان العراق المشاكس .. والحالم الأزلي

عامر حنا فتوحي شخصية متميزة أثارت منذ ولوجها الساحة الثقافية العراقية أواخر عقد السبعينات من القرن المنصرم أسئلة عديدة ونقاشات ساخنة لم تهدأ حتى الآن ، فهو رسام محترف ومصمم متمكن وكاتب مختص في النقد التشكيلي وتاريخ وادي الرافدين وشاعر جريء ومساهم مؤثر في الحياة الثقافية في الوطن الام منذ عام 1978 .

ومن الجدير بالذكر أيضاً أنه ومنذ إستقراره في الولايات المتحدة الأمريكية منتصف عقد التسعينات من القرن المنصرم أثبت الفنان عامر فتوحي حضوره الفاعل ليس على صعيد الجالية الكلدانية والعراقية عامة وأنما تجاوز ذلك الحضور والتأثير ليصل حد التواصل مع الوسط الفني الأمريكي العام ويلوح ذلك بشكل جلي في العديد من التغطيات الإعلامية لأعماله ومعارضه الفردية والمشتركة .

بدأ الفنان عامر فتوحي رحلته الفنية كفنان محترف عام 1978 بأسلوب رمزي مزج بين التشخيص الذي يعتمد البناء التصميمي للوحة مع كم من الرموز الميثولوجية والفيزيائية , أنتقل بعدها الى أسلوب تعبيري يعتمد المزاوجة ما بين البناء التكويني للوحة الأكاديمية وحرية التعبير اللوني وقد طور الفنان موضوعه وأسلوبه هذا عام 1984 وأستقر على موضوعات مميزة -العنف والجنس والحرب- وذلك بأستخدام مفردات بصرية أساسية منها وحيد القرن والعاريات والجنود المدججين بأدوات القتل وملابس الحرب الكيماوية والنووية. ثم أنتقل بعد ذلك إلى التأكيد على مفردة الكركدن (رمز السلطة والقوة الغبية) حيث راح يمارس عليه العديد من عمليات الأختزال والتورية ، وفي عام 1988 بدأ الفنان فتوحي مرحلة جديدة تعد أساس منجزه الحالي حيث راح يدخل رموزاً جديدة على ما تبقى من صورة الكركدن التي لم تعد اكثر من خلفية شبحية للكتابة الصورية الأوروكية (الألف الرابع قبل الميلاد) وكذلك رموز الآلهة والشياطين البابلية التي أستقر عليها بعد دراسة طويلة بمساعدة العديد من علماء الآثار منهم د. فوزي رشيد ، وهنا انتقلت أعماله من الهم الإيدولوجي إلى الهم الجمالي حيث راح الفنان يؤكد على البحث اللوني والملمس البصري وتحولت الرموز والأشكال إلى نوع من الأرضيات التي راح الفنان يؤكد من خلالها على البحث اللوني والملمس البصري ، كما تحولت الرموز والأشكال إلى نوع من الأرضيات التي راح الفنان يؤسس عليها بحثه الجمالي , غير أن عارياته لم يستسلمن بسهولة لرموزه الرافدية حيث ما زلن يمارسن حضورهن في بعض من أعماله الأخيرة التي قدمها في الولايات المتحدة ولو كجزء مكمل للأرضية الأسطورية التي يقوم عليها إنشاء اللوحة .

عامر فتوحي الفنان والإنسان الذي لقب في الوسط التشكيلي العراقي بالفنان المشاكس بسبب مواقفه من المؤسسة الفنية الرسمية ومواجهته للخراب الذي أصاب الحركة التشكيلية في العراق إبان عقدي الثمانينات والتسعينات بكم من الأعمال التي قال عنها النقاد بأنها مزيج من الإستفزاز البصري الخلاق والأحلام المستحيلة ، وبرغم كل المعاناة والمحاربة التي واجهته بها المؤسسة الرسمية إلا أنه تمكن من أن يحتل مكانته الفنية في الوسط التشكيلي العراقي الصعب متسلحاً بروحية القديس وإبداع الفنان المبتكر ، وهكذا فقد تمكن الفنان عامر فتوحي الذي لم يتخل يوماً عن هاجسه الرئيس .. وهو (أن يقدم لوحة عراقية تمتزج فيها الحداثة إسلوباً وتقنية مع جذوره الكلدانية الرافدية التي تتوغل عميقاً في التاريخ) ، ومن ثم أن يقدم للمشاهد المعاصر وبنجاح كبير تجربة فنية غنية بالتعبير الفني والتقنية المتقدمة المؤسسة على نتاج حضاري ثري يتجاوز أفقه ما يزيد على 7300 سنة من المنجز البشري ، ولعل ثلاثياته الشهيرة (حصار مدينة ، حصار رجل ، حصار روح) ومجموعته الكرافيكية (جند أحلامي) علاوة على منمنماته الكرافيكية الأخرى التي تشربت من تقنيات أسلافه الكلدان الأوائل ومجاوريهم من السومريين قد منحتنا رؤية جديدة في فن التعامل مع اللوحة الطباعية -الكرافيك- مثلما تؤكد على مدى تمكن هذا الفنان في إحتواء أحلامه ورؤاه وبالتالي إعادة صياغتها لخلق معادل فني جديد تجتمع فيه الهواجس الفنية والرؤية المستقبلية للمحيط ، إن فن الفنان العراقي الكبير عامر فتوحي هو كما أعترف به الشاعر والناقد التشكيلي الكبير فاروق يوسف بمثابة الحجر الذي رفضه البناءون الرسميون فأثبت بالمقابل وعن جدارة بأنه حجر الزاوية في الفن التشكيلي العراقي لعقدي الثمانينات والتسعينات ، لاسيما بعد تأسيسه ونخبة من أبرز الفنانين التشكيليين العراقيين جماعة -أفق- عام 1986م ، وفي ذلك تتشابه منجزاته على ما فيها من خصوصية مع تجربة كبار التشكيليين العراقيين الذين آمنوا بقدرهم كفنانين مبدعين أمثال علي طالب وزياد حيدر وخضر جرجيس وبرهان كركوكلي ومحمد مهر الدين وعلي النجار ومحمد فرادي وهاشم حنون وعامر خليل ناصر ومحمد حسين عبد ألله وجودت حسيب ومسعود يلدو ، وهنا لا بد لنا وأن نستشهد بما كتبه عنه الآخرون ومنهم الفنان العراقي الرائد والناقد الدولي الأستاذ (شاكر حسن آل سعيد) في معرض تناوله لأعمال الفنان فتوحي حيث قال : أن رؤية الفنان عامر فتوحي تنهل من (العلاقة) بين الفكر العراقي القديم والحداثة في التعبير الفني ، ونستطيع أن نصف فن الفنان المبتكر عامر فتوحي بأنه فن -ما بعد الحداثة- ولاسيما وأن المراحل السابقة من تجربته الفنية تؤكد مدى تضلعه بهضم التطورات الفنية الراهنة للفن العالمي .

ويقول الشاعر والناقد التشكيلي (فاروق يوسف) : أن فن عامر فتوحي يمجد الفعل وهو في ذلك قد وجد نفسه في خلاف مع معظم النتاج الفني العراقي الذي أمتلك خاصية جماله من السكون . ويقول في موضع آخر من مقدمته الموسومة ( بعيداً عن رضا الآخرين / 1991م) : سواء كان عامر فتوحي قد أعلن خلافه مع الرسم التقليدي أم فضل أن ينسل بصمت بعيداً عنه ليصنع أعماله ، فأنه كان وما يزال يسعى لأن تجلب عليه أعماله لعنة المحافظين وأسئلة المحدثين ؟!

ويقول الناقد (مصطفى الهاشمي) في جريدة العرب اللندنية الدولية : عامر فتوحي فنان حالم لا يجد على الأرض محطة ترسي بها أحلامه ، لهذا نراه ينطلق بلوحاته دون أن يقف في منتصف الطريق ليستريح . ويضيف في موضع آخر من مقالته الموسومة (عامر فتوحي .. البحث عن فردوس آخر / 1994م) : ومثل شيخ حمل معه ألماً يغرق بغواية تاريخية من رحلته السومرية نجد أنفسنا أمام فنان لا يرفض الفردوس الذي يؤمن به الناس بل يقدم لنا الحد الوسط ما بين تطلعنا نحو الخلود وبين ما نعيشه من سلسلة رهيبة من الإندحارات .. اللوحة التي يقدمها فتوحي تتدفق بالمعاني ونحتاج لإخراج الذاكرة لكي تكون الرؤية لدينا صافية .

أما الشاعر والناقد الأردني المعروف (محمد العامري) فيقول عن أعمال الفنان فتوحي في الصفحة الثقافية لجريدة الدستور الواسعة الإنتشار : أن أعمال الفنان عامر فتوحي لا تعد إضافة لمجمل التطورات التي شهدتها ساحة الفن التشكيلي العراقي وإنما هي من زاوية أوسع إضافة ثرة وحقيقية للفن العالمي بمعناه الشمولي .

ويكفي هذا الفنان الكلداني العراقي الكبير فخراً أنه بالرغم من عدم ولوجه المعترك السياسي فقد تمكن خلافاً لعدد كبير من الفنانين المنتمين من أن يعبر وبكل جرأة عن عصره الذي طغت عليه الشعارات التمجيدية والخطاب السياسي المؤدلج ، حيث واجه بكل شراسة وصلابة إندحارات الوعي العراقي أمام كركدنات المؤسسة الحزبية وقوى العسكرتاريا الظلامية في وطنه الأم ، وذلك من خلال سلسلة من اللوحات التي مزجت بين الفن التشكيلي الخالص وبيانات الإدانة الجريئة (التي تسببت له بالكثير من الأذى) ، ولعل من أشهر أعماله في هذا المجال (المصباح في الساعة / أغنية إلى برومثيوس العصر ناظم حكمت / عصافير يلماز غونية / غثيان)وهيّ سلسلة الأعمال التي أدان من خلالها ضرب القوى اليسارية العراقية عام 1979م ، أما أعماله العديدة الأخرى التي توزعت على مساحتي الرسم والنحت ومنها (تعامت ، كور .. إله الخراب ، البحث عن فردوس آخر ، ثلاثية الغزاة ، صباح الخير يا بغداد ،كرسي من مزرعة أورويل ) فقد جاءت لتعبر خير تعبير عن رفضه المعلن لمحاولات قوى الظلام المنهزمة في العراق التي عملت على ضرب النخبة المثقفة منذ أواخر عقد السبعينات من أجل كسر الوعي العراقي والإستفراد بعجلة الحياة !!

لا بد من الإشارة هنا إلى أن مشروع الفنان القادم (العراق ... حب وموت ومابعد) الذي هو خلاصة تجربة الفنان فتوحي إنما سيكون مزيجاً من اللوحات الفريدة تقنية وتنفيذاً علاوة على كتاب شعري بذات العنوان قامت المجلة الأكاديمية الأميريكية المعروفة (الآداب العالمية اليوم) بنشر واحدة من قصائده الموسومة (جرح الظلام) ، هذا المعرض الكتاب الشعري الخلاصة ، إنما هما من وجهة نظري محاولات جادة وحميمة لإستعادة لحظات الحب والنقاء التي عاشها الفنان في وطنه الأم قبل النفي مثلما هيّ خطاب إدانة صريح لقوى الظلام المتغلغلة في الجسد العراقي رغم هواها الصفوي الأموي السلفي والتي أستبدت بأرض الرافدين مشيعة الفرقة والتخلف . كما يحمل هذا المشروع دعوة متفائلة للمقاومة والصبر والخير الذي أسمه العراق. أن عامر فتوحي من وجهة نظري كمحللة لأعماله التي تتوزع على ما يزيد على أربعة عقود هو محض قلب وعقل ضاجين بالفعل كخلية نحل لا مكان فيها للتلكؤ أو التكاسل، وهو دونما جدال أصابع ملونة كقوس قزح تمطرنا بمشاعر متنوعة بين الفرح والأسى ، وهو أيضاً عيون صافية ترصد دوماً كل ما حولها بإناة دونما صدام مع المرئيات مثله مثل بحيرة زبرجدية رقراقة يمكنك بسهولة أن ترى قرارها عارفاً في الوقت ذاته مدى إستحالة الوصول إليه ؟!!

تمنياتي أن تقوم المؤسسات الثقافية العراقية في العراق الجديد برفع الغبن الذي طال سلسلة طويلة من الفنانين التشكيليين العراقيين الكلدان وغيرهم من المكونات العراقية القديمة لأسباب تمييزية بعيدة كل البعد عن المعايير الفنية ، كما آمل من مؤسساتنا الثقافية المهجرية أن تقوم بالترسيخ لمنجزات كبار المبدعين العراقيين بما يتناسب ومكانتهم الفنية على الصعيدين العراقي والدولي .

إيمان دانيال / أستاذة مادة الأدب الانكليزي سابقاً - جامعة بغداد

نشرت هذه المقالة عام 2005م إعتماداً على قراءة متمحصة للبيان المنشور للفنان فتوحي على موقعه ، علاوة على الدراسة الخاصة التي أجرتها الكاتبة لأعمال الفنان فتوحي لما يزيد على العقد ، وقد تم إعادة صياغة هذه الدراسة المبتسرة لتتناسب وطبيعة النشر على موقع الفنان فتوحي ، كونها تجمع ما بين المعلومات الواردة في بيانه الشخصي وتحليل الكاتبة لأعمال الفنان فتوحي